الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

287

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ذلك التحذير بالشدّ على العضد ، والوعد بحسن العاقبة ، فوعدهم اللّه بأن لا يجعل للكافرين ، وإن تألّبت عصاباتهم . واختلفت مناحي كفرهم ، سبيلا على المؤمنين . والمراد بالسبيل طريق الوصول إلى المؤمنين بالهزيمة والغلبة ، بقرينة تعديته بعلى ، ولأنّ سبيل العدوّ إلى عدوّه هو السعي إلى مضرّته ، ولو قال لك الحبيب : لا سبيل إليك ، لتحسّرت ؛ ولو قال لك العدوّ : لا سبيل إليك لتهلّلت بشرا ، فإذا عدّي بعلى صار نصا في سبيل الشرّ والأذى ، فالآية وعد محض دنيوي ، وليست من التشريع في شيء ، ولا من أمور الآخرة في شيء لنبوّ المقام عن هذين . فإن قلت : إذا كان وعدا لم يجز تخلّفه . ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصرا بيّنا ، وربما تملّكوا بلادهم وطال ذلك ، فكيف تأويل هذا الوعد . قلت : إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان بقرينة القصّة فالإشكال زائل ، لأنّ اللّه جعل عاقبة النصر أيّامئذ للمؤمنين وقطع دابر القوم الذين ظلموا فلم يلبثوا أن ثقفوا وأخذوا وقتّلوا تقتيلا ودخلت بقيتهم في الإسلام فأصبحوا أنصارا للدين ؛ وإن أريد العموم فالمقصود من المؤمنين المؤمنون الخلّص الذين تلبّسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه ، ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالا ، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالا . [ 142 ، 143 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 142 إلى 143 ] إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 142 ) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 143 ) استئناف ابتدائي ، فيه زيادة بيان لمساويهم . والمناسبة ظاهرة . وتأكيد الجملة بحرف ( إنّ ) لتحقيق حالتهم العجيبة وتحقيق ما عقبها من قوله : وَهُوَ خادِعُهُمْ . وتقدّم الكلام على معنى مخادعة المنافقين اللّه تعالى في سورة البقرة [ 9 ] عند قوله : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا . وزادت هذه الآية بقوله : وَهُوَ خادِعُهُمْ أي فقابلهم بمثل صنيعهم ، فكما كان فعلهم مع المؤمنين المتبعين أمر اللّه ورسوله خداعا للّه تعالى ، كان إمهال اللّه لهم في الدنيا حتى اطمأنّوا وحسبوا أن حيلتهم وكيدهم راجا على المسلمين وأنّ اللّه ليس ناصرهم ، وإنذاره المؤمنين بكيدهم حتّى لا تنطلي عليهم حيلهم ، وتقدير أخذه إيّاهم بأخرة ، شبيها